فصل: وَالزَّرْعُ لِلزارِعِ في أَشْيَاءَ *** وَرَبُّ الأَرْضِ يَأْخُذُ الكِرَاءَ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البهجة في شرح التحفة ***


وَالدَّرْسُ وَالنَّقْلَةُ مَهْمَا اشْتُرِطَا *** مَعْ عَمَلٍ كَانَ عَلَى ما شُرِطَا

‏(‏والدرس‏)‏ للزرع ‏(‏والنقلة‏)‏ له من الفدان ‏(‏مهما اشترطا مع عمل‏)‏ الحراثة ‏(‏كان‏)‏ ذلك الشرط لازماً ‏(‏على ما شرطا‏)‏ والعادة كالشرط وهو قول ابن القاسم في رواية حسين بن عاصم عنه، وبه العمل حسبما للجزيري في وثائقه‏.‏ وقال سحنون‏:‏ لا يجوز اشتراط ذلك لأنه مجهول، واختاره ابن يونس‏.‏ قال أبو حفص‏:‏ تكلم ابن القاسم على أرض النيل التي أمرها معروف بالعادة، وتكلم سحنون على أرض إفريقية التي يختلف الأمر فيها فمرة تخصب فتكون مؤنة الحصاد كثيرة الثمن، وربما لم يكن خصب فيقل ثمن ذلك اه‏.‏ ويمكن أن يقال مذهب ابن القاسم الجواز في أرض النيل وغيرها، كما أفاده الناظم لأن الغالب إتيان الزرع على مقتضى العادة وإتيانه على خلافها نادر وهو لا حكم له‏.‏ البرزلي‏:‏ لو قال أحدهما عليك أجرة الحصادين وعلي الغداء والعشاء جاز ذلك إن عرف قدره اه‏.‏

وَالشَرْطُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَعْمُورِ *** مِثْلَ الَّذِي أَلْفَى مِنَ المَحْظُورِ

‏(‏والشرط‏)‏ أي اشتراط رب الأرض على العامل إذا دخل والأرض معمورة أي مقلوبة ‏(‏أن يخرج‏)‏ بعد حصاد الزرع ‏(‏عن معمور‏)‏ الأرض فيقلبها له حتى تصير ‏(‏مثل‏)‏ القليب ‏(‏ الذي ألفى‏)‏ وقت دخوله ‏(‏من المحظور‏)‏ خبر عن الشرط وهو بالظاء المشالة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان عطاء ربك محظوراً‏}‏ ‏(‏الإسراء‏:‏ 20‏)‏ أي ممنوعاً ولعل وجه المنع أنه من باب قول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وأجير تأخر شهراً، لأن رب الأرض قد نقده العمارة في مثلها بعد شهور فإن دخلا على الشرط المذكور فسخ العقد كما قال‏:‏

وَلَيْسَ لِلشِّرْكَةِ مَعْهُ مِنْ بَقَا *** وَبَيْعُهُ مِنْهُ يَسُوغُ مُطْلَقَا

‏(‏وليس للشركة معه‏)‏ بالسكون أي الشرط ‏(‏من بقا‏)‏ بل يتحتم فسخها، وهذا قبل العمل فإن فاتت بالعمل فإن الأرض تقوم بتلك العمارة ويقوم عمل العامل فما فضل من قيمة كراء الأرض بتلك العمارة على قيمة عمل العامل، أو من قيمة العمل على كراء الأرض أخذه منه صاحب الزيادة، قاله ابن سلمون والمتيطية ونحوه في الوثائق المجموعة انظر ‏(‏م‏)‏‏.‏ ‏(‏وبيعه‏)‏ أي القليب المذكور ‏(‏منه‏)‏ أي العامل ‏(‏يسوغ مطلقا‏)‏ بمعجل أو مؤجل كما في ابن سلمون، وليس هذا من اجتماع البيع والشركة في عقد وهو لا يسوغ كما مرّ صدر البيوع لأن القليب المذكور هو في نفس الشيء المشترك فيه لا ينفصل عنه ولا يزايله قاله اليزناسني وأما هبته للعامل فيجوز أيضاً على ما به العمل من عدم اشتراط السلامة من التفاوت لا على مقابله لأنه له خطر وبال كالأرض التي لها ذلك كما في المتيطية‏.‏

وَحَيْثُ لاَ بَيْعَ وَعَامِلٌ زَرَعْ *** فَغَرْمُهُ القِيمَةَ فِيهِ ما امْتَنَعْ

‏(‏وحيث لا بيع‏)‏ ولا هبة للقليب المذكور ‏(‏وعامل زرع‏)‏ فيه من غير تعرض لبيع ولا لغيره ‏(‏فغرمه‏)‏ أي العامل ‏(‏القيمة‏)‏ لذلك القليب ‏(‏فيه‏)‏ متعلق بقوله ‏(‏ما امتنع‏)‏ أي ما يمتنع من غرمه القيمة ولا محيد له عنه كما مر عن ابن سلمون، فإن ادعى العامل أنه وهبه له فله اليمين على رب الأرض كما في نوازل ابن رشد وهي من دعوى المعروف ومعروف المذهب توجيهها قاله الونشريسي في جواب له نقله العلمي في الغصب والتعدي‏.‏

وَحَقُّ رَبِّ الأَرْضِ فِيما قَدْ عَمَرْ *** باقِ إذَا لَمْ يَنْبُتِ الَّذِي بَذَرْ

‏(‏وحق رب الأرض‏)‏ صوابه وحق ذلك العامل كما قال ولده ‏(‏فيما قد عمر باق إذا لم ينبت الذي بذر‏)‏ أي إذا قلب العامل الأرض وزرعها ولم ينبت زرعه فحقه باق قي العمارة له أن يزرعها مرة أخرى أو يبيعها ممن شاء، بخلاف ما إذا نبت الزرع ويبس أو أصابته آفة من جراد ونحوه فإنه لا حق له كما قال‏:‏

بِعَكْسِ مَا كانَ لَهُ نَبَات *** وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ لهُ ثَبَاتُ

‏(‏بعكس ما كان له نبات ولم يكن بعد‏)‏ أي بعد النبات ‏(‏له ثبات‏)‏ قاله ابن فتحون وغيره‏.‏

قلت‏:‏ وعلى هذا تجري مسألة المكتري للأرض يجاح زرعه بعد النبات أو لا ينبت أصلاً فلا حق له في القليب في الأول دون الثاني والله أعلم‏.‏

وَجَازَ في البَذْرِ اشْتِرَاكٌ وَالْبَقَرْ *** إنْ كانَ مِنْ نَاحِيَةٍ ما يُعْتَمَرْ

‏(‏وجاز‏)‏ للمتزارعين ‏(‏في البذر اشتراك و‏)‏ في ‏(‏البقر‏)‏ عطف على البذر ‏(‏إن كان من ناحية‏)‏ أي من أحدهما فقط ‏(‏ما يعتمر‏)‏ وهو الأرض، وظاهره سواء قابلها عمل يد الآخر كما لو كان عمل اليد عليه وحده أو كان عمل اليد عليهما معاً أيضاً وهو كذلك، وظاهره ولو كانت الأرض في الصورة الثانية لها خطر وبال وهو كذلك لما مر من أنه لا يشترط عدم التفاوت على المعمول به، وظاهره أيضاً سواء كان يأخذ كل واحد من الزرع بقدر ما أخرج من البذر أم لا كما لو أخرج أحدهما الأرض ونصف البقر وثلثي البذر، وأخرج الآخر عمل يده ونصف البقر وثلث البذر على أن يكون الزرع بينهما نصفين، وهو كذلك كما تقدم في الصورة الأولى من صورتي مفهوم البيت في أول الفصل، وأما العكس وهو أن يخرج أحدهما عمل اليد ونصف البقر وثلث البذر، ويخرج الآخر الأرض ونصف البقر وثلث البذر فإن كان على أن يأخذ كل منهما من الزرع بقدر بذره جاز، وإن كان على أن يأخذ كل نصف الزرع امتنع لأن العامل نقص له عن نسبة بذره، وذلك يوجب أن سدس بذره في مقابلة الأرض كما مر ‏(‏خ‏)‏‏:‏ أو بعضه إن لم ينقص ما للعامل عن نسبة بذره، ويفهم من النظم أنهما إذا استويا في الأرض والبقر والبذر واليد تجوز بالأحرى‏.‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ مشبهاً في الجواز إن كان تساوياً في الجميع‏.‏ عياض‏:‏ وجوه المزارعة ثلاثة‏.‏ وجه جائز باتفاق وهو اشتراكهما في الأرض والآلة والعمل والبذر بحيث إذا ضاع شيء يكون ضمانه منهما معاً، ووجه لا يختلف في منعه وهو اختصاص أحدهما بكون البذر من عنده خاصة ومن عند الآخر الأرض التي لها قيمة اشتركا في غير ذلك أم لا‏.‏ اختلفوا فيما سواه أو تساووا لأنه كراء الأرض بما يخرج منها إلا على ما للداودي ويحيى في جواز كراء الأرض بما يخرج منها على مذهب الليث، وذلك خارج عن مذهب مالك‏.‏ والوجه الثالث هو ما عدا هذين الوجهين وهو مختلف فيه كيفما قدرته اه‏.‏

ومن الجائز أيضاً أن تكون الأرض منهما معاً والبذر من أحدهما وعمل البقر واليد أو عمل اليد فقط من الآخر ومنه أيضاً أن يكون البذر منهما معاً والأرض من أحدهما وقابلها عمل من الآخر‏.‏ وهي المتقدمة في أول الفصل والفرق بينها وبين ما في النظم ههنا أن ما تقدم عمل البقر واليد من أحدهما‏.‏ والأرض من الآخر بخلاف ما هنا‏.‏ ومنه أيضاً أن تكون الأرض والبذر منهما وعمل اليد والبقر على أحدهما ومنه أيضاً أن يكون لأحدهما الجميع إلا عمل اليد وهي مسألة الخماس والعمل على جوازها للضرورة كما قال ناظم العمل‏:‏

وأجرة الخماس أمر مشكل *** وللضرورة بها تساهل

وظاهر قوله‏:‏ للضرورة ولو عقداها بلفظ الإجارة أو أطلقا، ويؤيده ما مر أول هذا الفصل وما مر عن ابن يونس أول المساقاة من أن قبح اللفظ لا يضر مع اتفاق المعنى، وتقدم هناك أيضاً الخلاف في زكاة زرع الخماس على من تكون وأن زكاة الحصاد بأجرة من الزرع على رب الزرع، وكذا عليه زكاة ما يلقطه اللقاط إن شرط الحصاد لقطه معه لا إن لم يشترط لقطه وكان اللقاط يلقطه لنفسه‏.‏

فروع‏.‏ الأول‏:‏ سئل ابن أبي زيد عمن يدفع الأرض بربعها ويخرج ربع الزريعة أيضاً ويأخذ ربع الزرع‏؟‏ فقال‏:‏ يجوز ذلك إذا تقاربت قيمة الأرض مع قيمة العمل اه‏.‏ قلت‏:‏ إنما يشترط التقارب المذكور على المشهور الذي يشترط عدم التفاوت لا على ما به العمل من عدم اشتراطه كما مر‏.‏

الثاني‏:‏ إعطاء الثور لمن يحرث عليه بالخمس من الزرع أجازه الفقيه راشد قياساً على الخمس، ومنعه أبو عمران وعمل الناس اليوم على الأول، وأما إعطاء الأرض بجزء مما تنبته فتقدم الكلام عليه في كراء الأرض‏.‏

الثالث‏:‏ إن عجز أحد المتزارعين في أثناء الحرب وسلم لصاحبه فيما كانا حرثاه معاً فذلك لازم له قاله البرزلي، ونقله صاحب كتاب المغارسة‏.‏

الرابع‏:‏ تقدم من اشترى زريعة فوجدها لم تنبت أنظرها في عيب الأصول، وقد ذكر المسألة هنا في المتيطية وغيرها‏.‏

وَالزَّرْعُ لِلزارِعِ في أَشْيَاءَ *** وَرَبُّ الأَرْضِ يَأْخُذُ الكِرَاءَ

‏(‏والزرع للزارع‏)‏ وحده ‏(‏في أشياء ورب الأرض يأخذ الكراء‏)‏ ولا حظ له في الزرع، وذكر الناظم من ذلك أربعة مسائل فقال‏:‏

كَمِثْلِ ما في الْغَصْبِ وَالطَّلاَقِ *** وَمَوْتِ زَوْجَيْنِ وَالاسْتِحْقَاقِ

‏(‏كمثل ما في الغصب‏)‏ يزرع الأرض ويقر بالعداء أو يفوت الإبان فعليه كراء المثل كما أشار له ‏(‏خ‏)‏ بقوله‏:‏ وإن زرع أي الغاصب فاستحقت أي قام مالكها فإن لم ينتفع بالزرع أخذ بلا شيء، وإلاَّ فله قلعه إن لم يفت وقت ما تراد له وإلاَّ فله كراء المثل الخ‏.‏ وقد تقدم تحصيل ذلك في فصل الكراء والجائحة فيه فراجع تفصيله هناك‏.‏ ‏(‏ والطلاق‏)‏ يعني أن من أمتعته زوجته بأرضها فزرعها ثم طلقها فالزرع له، وفي الكراء الخلاف المتقدم في فصل أحكام من الكراء ‏(‏وموت‏)‏ أحد ‏(‏زوجين‏)‏ بعد أن أمتع صاحبه بأرضه وزرعها فالزرع له وفي الكراء الخلاف المتقدم في الفصل المذكور ‏(‏والاستحقاق‏)‏ يعني أن من زرع أرضاً بشبهة شراء أو إرث أو اكتراء ولم يعلم بغصب بائعها أو مكتريها أو موروثة فاستحقت من يده قبل فوات الإبان فله الزرع وعليه كراء المثل، فإن لم تستحق إلا بعد فواته فالزرع له أيضاً ولا شيء عليه من الكراء، وهذا هو الفرق بينه وبين الغاصب‏.‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ كذي شبهة أو جهل حاله الخ‏.‏ وقال في الشامل‏:‏ ولا شيء لمستحقها في زرع ذي شبهة ونحوه إن فات الإبان وإلاَّ فله كراء سنة اه‏.‏ ومن هذا أيضاً ما في ابن يونس عن أصبغ قال‏:‏ من زرع أرض جاره وقال‏:‏ غلطت، أو كان مكترياً لها ولا يعرف ذلك، إلا من قوله، أو بنى في عرصة جاره وقال‏:‏ غلطت فلا يعذر الباني ويعطيه قيمته مقلوعاً أو يأمره بقلعه، وفي الحرث يشبه أن يكون غلط فيحلف ويقر زرعه ويؤدي كراء المثل فات الإبان أم لا‏.‏ وهو على الخطأ حتى يتبين العمد انظر البرزلي وابن سلمون والمتيطية‏.‏

وَالخُلْفُ فِيه ها هُنَا إنْ وَقَعَا *** ما الشَّرْعُ مُقْتَضٍ له أَنْ يُمْنَعَا

‏(‏والخلف فيه‏)‏ أي الزرع لمن يكون ‏(‏ههنا‏)‏ في باب المزارعة ‏(‏إن وقعا ما‏)‏ أي شيء ‏(‏الشرع‏)‏ مبتدأ خبره ‏(‏مقتض له أن يمنعا‏)‏ والجملة صفة لما أوصله والرابط المجرور باللام أي‏:‏ إن وقع‏.‏ وفي المزارعة شيء يوجب الفساد والشرع مقتض المنع له فإن اطلع على ذلك قبل الفوات بالعمل فسخ، وإن فات به فاختلف في الزرع لمن يكون على أقوال ستة‏.‏

قيلَ لِذِي البِذْرِ أَو الحِراثَهْ *** أَوْ مُحْرزٍ لاثْنَيْنِ مِنْ ثَلاَثَهْ

‏(‏قيل‏)‏ الزرع كله ‏(‏لذي البذر‏)‏ أي لمخرجه ويؤدي لأصحابه كراء ما أخرجوه فإن أخرجاه معاً فالزرع بينهما على نسبة بذريهما ويترادان في كراء غيره وهو رواية ابن غازي ‏(‏أو‏)‏ أي وقيل الزرع كله لصاحب ‏(‏الحراثة‏)‏ أي العمل وهو تأويل أبي زيد عن ابن القاسم ‏(‏أو‏)‏ أي وقيل الزرع كله ل ‏(‏محرز لاثنين من ثلاثة‏)‏ وهي

الأرْضِ وَالبَذْرِ وَالاعْتِمارِ *** وَفِيهِ أَيْضاً غَيْرُ ذَاكَ جَارِي

‏(‏الأرض والبذر والاعتمار‏)‏ أي العمل باليد والبقر أو اليد فقط، فيكون الزرع لمن له الأرض مع البذر، أو الأرض مع العمل، أو البذر مع العمل فإن كانوا ثلاثة واجتمع لواحد منهم شيئان منها دون صاحبيه كان الزرع له دونهما، وإن اجتمع لكل واحد منهم شيئان منها أو انفرد كل واحد منهم بشيء منها كان الزرع بينهم أثلاثاً وهو قول ابن القاسم، واختاره ابن المواز وهو المعتمد، فكان على الناظم أن يصدر به أو يقتصر عليه، وعليه فإذا كان على أحدهما ثلثا البذر وعلى الآخر الأرض وثلث البذر والبقر بينهما وعمل اليد على أحدهما فالزرع كله لعامل اليد وعليه للآخر كراء أرضه وبقره، ومثل بذره لقوله في النهاية‏.‏ قال ابن المواز عن ابن القاسم‏:‏ إن الزرع كله في فساد المزارعة لمن ولي العمل، فإن كان رب الأرض هو العامل فعليه للآخر مثل بذره، وإن كان صاحب البذر هو العامل فعليه للآخر كراء أرضه، وإن عملاً جميعاً غرم هذا لهذا نصف بذره وهذا لهذا نصف كراء أرضه وعليه عول ‏(‏خ‏)‏ إذ قال‏:‏ وإن فسدت وتكافآ عملا فبينهما وترادا غيره وإلا فللعامل الخ‏.‏ أي عامل البقر واليد أو اليد فقط كما مر، وظاهره أن الزرع لصاحب البذر إذا انضاف إليه عمل ولو أسلف نصفه لصاحبه، والذي في البرزلي أن الزرع يكون بينهما على ما شرطا، ولمسلف الزريعة أخذها من صاحبه ويرجع من له فضل على الآخر‏.‏ ‏(‏وفيه‏)‏ أي الزرع ‏(‏أيضاً غير ذاك‏)‏ أي غير ما ذكر من الأقوال الثلاثة ‏(‏جار‏)‏ فقد قيل‏:‏ إنه لمن اجتمع له ثلاثة أيضاً على هذا الترتيب وهي أرض وبقر وعمل يد، وقيل هو لمن اجتمع له اثنان من أربعة‏.‏ الأرض والعمل والبذر والبقر، وقيل وهو لابن حبيب إن سلمت المزارعة من كراء الأرض بما يخرج منها فالزرع بينهما على ما شرطا ويترادان في الزائد، وإن لم تسلم من ذلك فالزرع لصاحب البذر‏.‏ حكى الأقوال الستة صاحب المقدمات وإليها رمز ابن غازي بقوله‏:‏

الزرع للعامل أو للباذر *** في فاسد أو لسوى المخابر

أو من له حرفان من إحدى الكلم *** عاب وعاث ثاعب لمن فهم

والمراد بالمخابر هنا الذي يعطي أرضه بما يخرج منها والعينات للعمل والألفات الثلاث للأرض والباءان للبذر والثاءان المثلثتان للثيران‏.‏

وَقَوْلُ مُدَّعٍ لِعَقْدِ الاكْتِرَا *** لا الازْدِرَاعِ مَعْ يَمِينٍ أُثِرَا

‏(‏و‏)‏ إذا تنازعا بعد الفوات فادعى العامل الاكتراء للأرض، وادعى رب الأرض المزارعة أو العكس فالقول ‏(‏قول مدع لعقد الاكترا‏)‏ كأن مدعيه هو رب الأرض أو العامل ولا يصدق العامل في دفعه كما في المتيطية ‏(‏لا‏)‏ قول مدع ‏(‏الازدراع‏)‏ ومن صدق منهما فذلك ‏(‏مع يمين أثرا‏)‏ أي روي عن ابن القاسم وبه قال ابن حبيب وظاهره كان الغالب الازدراع أو الكراء، والذي تقدم في اختلاف المتبايعين أن القول لمدعي الغالب، فإن لم يكن غالب فقد تقدم أن القول لمنكر العقد إجماعاً فكل منهما ينكر عقد صاحبه ويدعي عقداً آخر، والناظم درج على أن المزارعة تلزم بالعقد كالكراء، وحينئذ إذا لم يكن غالب وتنازعا قبل العمل تحالفا وتفاسخا، فإن فاتت به فالقول لمدعي الكراء إن كان هو العامل لأن الآخر يريد أن يشاركه في الزرع بمجرد الدعوى فانظر ذلك وتأمله والله أعلم‏.‏ وعن سحنون إن اختلفا بعد الطيب فقال العامل‏:‏ الزرع بيننا وقد تساوينا في الزريعة، وقال رب الأرض‏:‏ الزرع لي وإنما أنت أجير فإن عرفت الزريعة أنها من عند أحدهما فالقول قوله مع يمينه، وإن لم يعلم مخرجها فالقول للعامل لأن العادة في شركة الناس أن العامل يخرج البذر أو نصفه انظر المتيطية والبرزلي‏.‏

وَحَيْثُ زَارِعٌ وَرَبُّ الأرْضِ قَدْ *** تَدَاعَيَا في وَصْفِ حَرْثٍ يُعْتَمَدْ

‏(‏وحيث زراع ورب الأرض قد تداعيا‏)‏ وتنازعا ‏(‏في وصف حرث‏)‏ أي قلب كما لو قال رب الأرض‏:‏ دخلنا على أن تحرثها أي تقلبها مرتين ثم بعد ذلك تبذرها‏.‏ وقال العامل‏:‏ بل مرة واحدة ‏(‏يعتمد‏)‏ يقتصد صفة للحرث وهو تتميم‏.‏

فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ وَاليَمِينُ *** وقلْبُهَا إنْ شَاءَ مُسْتَبِينُ

‏(‏فالقول للعامل واليمين‏)‏ عليه ‏(‏وقلبها‏)‏ أي اليمين ‏(‏إن شاء‏)‏ أي أن يقلبها على رب الأرض ‏(‏مستبين‏)‏ واضح بيِّن‏.‏ قال في النوادر‏:‏ وإن تزارعا على أن الأرض والبذر من عند أحدهما ومن الآخر البقر والحرث فطلب أن يحرثها أي يقلبها مرة، وقال الآخر‏:‏ بل مرتين، فليحملا على سنة البلد فإن لم تكن لهم سنة وكانوا يفعلون هذا وهذا إلا أن الزرع في حرثتين أكمل، ففي قياس قول سحنون أن ليس عليه إلا حرثة واحدة إلا أن يشترط حرثتين فيجوز وتلزمه، ولو عقدا على أنه إن حرث حرثة فله الربع، وإن حرث حرثتين فله النصف لم يجز والزرع لرب البذر وعليه للآخر أجر عمله وبقره اه‏.‏ وهذا كله يبين لك أن كلام الناظم هنا مبني على أن المزارعة تلزم بالعقد، وأما على مقابله من أنها إنما تلزم بالبذر فلكل فسخها قبله وللعامل أجر قلبه إن كان قلبها والله أعلم‏.‏

وفي المتيطية‏:‏ وإن اختلف بعد القلب وقبل الزراعة فقال العامل‏:‏ دخلنا على أن القلب علي وحدي وأن العمل في الزراعة بيننا‏.‏ وقال رب الأرض‏:‏ بل العمل كله عليك واتفقنا على التساوي في البذر فالقول قول من يدعي منهما الاعتدال والتساوي في الزراعة، ثم قال‏:‏ وإن اختلفا بعد انقضاء الزراعة فقال العامل‏:‏ إن جميع ما زرعت من عندي وأن نصفها سلف مني لرب الأرض وكذبه رب الأرض وقال‏:‏ بل دفعت نصيبي فالقول قول العامل بيمينه، فإذا حلف واستوجب سلفه كان الزرع بينهما ويتراجعان الفضل لأن الشركة بينهما فاسدة ما لم يدع العامل أن السلف تطوع به بعد العقد، وإلاَّ فهي صحيحة ولا يتراجعان اه باختصار‏.‏ وهذا على أنها تلزم بالعقد وإلاَّ فالسلف يفسدها ولو في أثنائها‏.‏

فصل في الشركة وأقسامها وأحكامها

وهي بكسر الشين وفتحها مع سكون الراء فيهما وبفتح الشين وكسر الراء والأول أفصحها، وعرفها ابن عرفة بتعريفين أحدهما عام والآخر خاص فقال‏:‏ الأعمية تقرر متمول بين مالكين فأكثر ملكاً فقط، والأخصية بيع مالك بعض ماله ببعض كل الآخر موجب صحة تصرفهما في الجميع فيدخل في الأول شركة الإرث والغنيمة لا شركة التجر، وهما في الثانية على العكس وشركة الأبدان والحرث باعتبار العمل في الثانية وفي عوضه في الأولى اه‏.‏ فأخرج بقوله‏:‏ متمول ما ليس كذلك كثبوت النسب بين كإخوة، وقوله‏:‏ ‏(‏ ملكاً‏)‏ أخرج به ملك الانتفاع كما إذا كانا ينتفعان بحبس المدارس فإنه يصدق عليه تقرر متمول الخ‏.‏ لكنه ليس بملك على أنه لا يدخل ملك الانتفاع حتى يحتاج إلى إخراجه لأن ذكر المالكين يخرجه، واحترز بقوله‏:‏ فقط من الشركة الأخصية فإن فيها زيادة التصرف، وهذه لا تصرف فيها، وقوله‏:‏ بعض ماله الخ‏.‏ أخرج به ماذا باع الكل بالكل أو البعض بالكل فإنه ليس بشركة وقوله‏:‏ صحة مفعول باسم الفاعل قبله، وهذا القيد خاص بشركة التجر، واحترز به من شركة غير التجر كما إذا خلطا طعاماً للأكل في الرفقة فإن ذلك لا يوجب التصرف المطلق للجميع، وضمير تصرفهما عائد على المالكين، وذلك يدل على أن كل واحد وكيل لصاحبه في تصرفه في ملكه، فشركة الإرث والغنيمة يدخلان في الأول دون الثاني، وشركة التجر تدخل في الثاني دون الأول وهما معنى قوله على العكس، وقوله‏:‏ وشركة الأبدان لأن شركة الأبدان وما شابهها يصدق عليها بيع مالك كل الخ‏.‏ لأن كل واحد باع بعض منافعه ببعض منافع الآخر مع كمال التصرف، وأما عوض ذلك فيدخل تحت أعمها وليس فيه تصرف‏.‏

تنبيه‏:‏

قال الرصاع‏:‏ وفي استثنائه شركة التجر نظر لأن فائدة الأعم أن يكون صادقاً على الأخص فهي داخلة فيه وإن لا لم يكن فيه عموم اه‏.‏ وعليه فلو خذف قوله ملكاً فقط كان أولى والشركة تلزم بالعقد على المشهور، فالتبرع والهبة والسلف من أحدهما للآخر بعد العقد جائز، وكذا في العقد إن قصد الرفق بصاحبه ففي المتيطية، وإن تشاركا على أن أخرج أحدهما مالاً وأسلف الآخر نصفه ليعملا به، أو أخرج أحدهما مالاً والآخر أقل منه فأسلفه الأول حتى استوي ليعملا به ويكون الربح والوضيعة بينهما بحسب ذلك، فإن كان أسلفه رفقاً به وطلباً للثواب من عند الله تعالى أو صلة لقرابة منه لا لحاجة إليه ولا لقوة تبصر بالتجر ونفاذه فيه أكثر منه ولا لشرط كان بينهما، ففي ذلك عن مالك روايتان الجواز، وبه قال ابن القاسم والأخرى الكراهة وإن كان على غير ذلك لم يجز لأنه سلف جر نفعاً اه‏.‏ ولما نقل ‏(‏ق‏)‏ الروايتين قال‏:‏ فمقتضاه أن مالكاً مرة قصده ومرة اتهمه، وأما فيما بينه وبين الله فذلك جائز إذا قصد الرفق به اه‏.‏ وعلى الجواز إذا قصد الرفق به اقتصر ‏(‏ز‏)‏ عند قول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وله التبرع والسلف والهبة بعد العقد عليه، فقول المتيطية ولا لشرط كان بينهما الخ‏.‏ لو حذفه كان أولى لأن موضوع كلامه ذلك كان على الشرط‏.‏

وذكر الناظم للشركة أربعة أقسام فقال‏:‏

شَرِكَةٌ في مالٍ أَوْ في عَمَلِ *** أَوْ فيهما تَجُوزُ لا لأَجَلِ

‏(‏شركة في مال‏)‏ وتحتها ثلاثة أقسام شركة مضاربة وهي القراض مأخوذة من الضرب في الأرض، وستأتي في الفصل بعد هذا، وشركة مفاوضة وهي أن يطلق كل منهما التصرف لصاحبه في المال الذي أخرجاه غيبة وحضوراً وبيعاً وشراء وضماناً وتوكيلاً وكفالة وقراضاً، فما فعل أحدهما من ذلك لزم صاحبه إذا كان عائداً على شركتهما، ولا يكونان شريكين إلا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما دون ما ينفرد به كل واحد منهما من ماله وسواء اشتركا في كل ما يملكانه أو في بعض أموالهما وتكون يد كل منهما كيد صاحبه وتصرفه كتصرفه ما لم يتبرع بشيء قاله في الجواهر‏.‏ وسواء تفاوضا في جميع أنواع المتاجر أو في نوع واحد منها كرقيق يتفاوضان في التجارة فيه فقط، وسواء أيضاً عين كل منهما لصاحبه نوعاً أو شيئاً يعمل فيه أم لا، ولكل منهما أن يبيع بالدين ويشتري فيه ويلزم ذلك صاحبه ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ثم إن طلقا التصرف وإن بنوع فمفاوضة ولا يفسدها انفراد أحدهما بشيء من المال غير مال الشركة يعمل فيه لنفسه، ولكل منهما أن يتبرع إن استلف أو خف ويبضع ويقارض ويقبل ويؤدي ويولي ويقبل المعيب وإن أبى الآخر، ويقر بدين لمن لا يتهم عليه وبيعه بدين لا الشراء به الخ‏.‏ لكن ما ذكره من عدم الشراء بالدين خلاف المذهب كما مر، أما إن لم يطلق كل منهما التصرف للآخر بل شرطا أن لا يتصرف واحد منهما إلا بحضرة صاحبه وموافقته فهي شركة العنان لأن كل منهما أخذ بعنان صاحبه أي بناصيته وهي جائزة ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وإن شرطا نفي الاستبداد فعنان الخ‏.‏ وعليه فلا يمضي فعل أحدهما في شيء مما مر أو غيره إلاَّ بموافقة صاحبه، وهذا هو القسم الثالث من أقسام شركة المال‏.‏ قال في النهاية‏:‏ ولا يكون الرجل شريكاً للرجل إلا إذا شاركه في رقاب الأموال على الإشاعة، وأما إن لم يشاركه في رقاب الأموال فليس بشريك وإنما هو خليط اه‏.‏

تنبيه‏:‏

إذا أقام أحدهما بينة أنه شريكه فيما بأيديهما ولم تزد، فإن لم يكن هناك عرف يصرفهما للمفاوضة أو العنان فالحق أنه لا يتصرف واحد منهما إلا بعد مراجعة صاحبه واتفاقهما على تخصيص أو تعميم لأن الشركة توكيل، وإذا قال‏:‏ وكلتك فقط فالمشهور عدم اعتبارها حتى يخصص أو يعمم، وانظر عدم صحة هذه الشهادة عند قول الناظم‏:‏

وغالب الظن به الشهادة الخ‏.‏ وحاصله أن المسائل ثلاث‏:‏ تارة تشهد البينة بأنهما متفاوضان وقد تقدم الكلام في المحل المذكور على صحة هذه الشهادة وعدم صحتها‏.‏ وعلى صحتها فالشركة عامة في جميع ما بأيديهما إلا ما قامت بينة بموجب الاختصاص به، وتارة تشهد بأنهما شريكان فيما بأيديهما فهي كالأولى، وتارة تشهد بأنهما شريكان ولم تزد، وهذه على تقدير صحتها وبيان مستند علمها فيها لا تعم جميع ما بأيديهما لأن ذلك يقع على بعض المال وعلى جميعه قاله اللخمي‏.‏ وحينئذ فإذا أنكر أحدهما هذه الشهادة الثالثة جرى على ما تقدم في قوله‏:‏ ومن لطالب بحق شهدا الخ‏.‏ وانظر شرحنا للشامل عند قوله‏:‏ ولو شهدت بينة بمفاوضة شمل ما بأيديهما الخ‏.‏

تتمة‏:‏ قال في المتيطية‏:‏ إن تساويا في المال والعمل على أن يكون لأحدهما فضل من الربح لم يجز، وكذلك إن تساويا فيه أو تفاضلا على أن يكون العمل على أحدهما فلا يجوز ويقسمان الربح والوضيعة على قدر أموالهما ويرجع العامل على الآخر بأجر عمله في حظه وإن تفاضلا في المال ليكون العمل بينهما على السواء لم يجز ويقتسمان المال على ما ذكرنا، وللقليل المال الرجوع على الآخر بفضل عمله ولا يضم للآخر نصف ما فضله به وليس بمسلف لأن ربحه لربه، وإن خسر المال كله وركبهما دين فذلك عليهما أيضاً بقدر أموالهما إلا على ما شرطاه من الشرط الفاسد، وإن تساويا في المال وجعل أحدهما دابة ليعمل الآخر عليها في جميع المال أو ليعملا معاً فلا يجوز اه‏.‏ وهذا كله من دخولهما على التفاوت في الشركة وهو لا يجوز في مال ولا في عمل، وستأتي علته في البيت بعده‏.‏ وانظر ما يأتي عند قوله‏:‏ وحيثما يشتركان في العمل الخ‏.‏ ‏(‏ أو‏)‏ شركة ‏(‏في عمل‏)‏ وهي شركة الأبدان وسيأتي شرط جوازها في قول الناظم‏:‏

وحيثما يشتركان في العمل الخ‏.‏ ‏(‏أو‏)‏ شركة ‏(‏فيهما‏)‏ أي في المال والعمل معاً كأن يخرجا مالاً ويشتريا به ثياباً أو جلوداً ويفصلانها ويخيطانها نعالاً أو غفائر ونحوهما ويبيعانها مخيطة ويشتريان بذلك الثمن غيرها وهكذا وذلك كثير، ولا بد حينئذ من شروط شركة الأبدان الآتية لأن هذا القسم مركب من شركة الأبدان وشركة المال‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏تجوز‏)‏ خبر عن قوله شركة وسوغه تعلق الجار به وقوله‏:‏ ‏(‏لا لأجل‏)‏ عطف على مقدر أي تجوز لغير أجل لا لأجل، وظاهره أنها إن وقعت لأجل فهي فاسدة أو يقال هي صحيحة، ولكن لا يلزمه البقاء معه إلى ذلك الأجل وهو الظاهر قال في المتيطية‏:‏ والشركة لا تكون إلى أجل ولكل منهما أن ينحل عن صاحبه ويقاسمه فيما بين أيديهما من ناض وعروض متى شاء اه‏.‏ ونحوه قول العوفي‏:‏ وإذا تفاصلا اقتسما ما صار بينهما كما لو أخرج أحدهما عيناً والآخر عرضاً، فإذا تفاصلا كان لكل واحد منهما نصف العين ونصف العرض اه‏.‏ وذلك كله يدل على أن المفاصلة في الشركة لا تحتاج إلى نضوض المال خلاف قول الأجهوري‏:‏ لو أراد أحدهما المفاصلة وامتنع الآخر عمل بامتناعه حصل خلط أم لا للزومها بالعقد، فإذا أراد نضوضه بعد العمل فينبغي أن ينظر الحاكم كالقراض اه‏.‏ اللهم إلا أن يقال كما هو الظاهر ما للعوفي والمتيطي إنما هو مع تراضيهما على المفاصلة، أو مبني على أنها لا تلزم بالعقد كما هو نص المقدمات، وما للأجهوري فيما إذا تنازعا وفيما إذا قلنا تلزم بالعقد والله أعلم‏.‏ فهذه ثلاثة أقسام والقسم الأول الذي هو شركة المال تحته ثلاثة أنواع كما مرّ وأشار للقسم الرابع بقوله‏:‏

وَفُسِخَتْ إنْ وَقَعَتْ عَلى الذِّمَمْ *** وَيَقْسِمَانِ الرِّبحَ حُكْمٌ مُلْتَزَمْ

‏(‏وفسخها‏)‏ أي الشركة ‏(‏إن وقعت على الذمم‏)‏ جمع ذمة وتقدم عند قول الناظم‏:‏ والشرح للذمة وصف قاما الخ‏.‏ وشركة الذمم أن يتعاقدا على أن يشتريا بلا مال أو بمال قليل ويتفقا على أن ما اشتراه كل منهما بالدين فربحه بينهما والضمان عليهما‏.‏ قال في المدونة‏:‏ هي باطلة لأن كل واحد منهما يقول لصاحبه تحمل عني نصف ما اشتريت وأتحمل عنك نصف ما اشتريت، فهو ضمان بجعل إلا أن يجتمعا في شراء سلعة معينة حاضرة أو غائبة فتبايعاها بدين، فيجوز ذلك إذا كانا حاضرين لأن العقدة وقعت عليهما جميعاً، وإن ضمن أحدهما فقط عن صاحبه فذلك جائز اه‏.‏ وقوله‏:‏ إلا أن يجتمعا الخ‏.‏ هو قول ‏(‏خ‏)‏ في الضمان إلا في اشتراء شيء بينهما أو بيعه كقرضهما على الأصح ‏(‏و‏)‏ إذا فسخت فما كان اشترياه معاً أو أحدهما ‏(‏يقسمان الربح‏)‏ الحاصل فيه والخسارة عليهما‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏حكم ملتزم‏)‏ خبر عن قوله‏:‏ وفسخها‏.‏

تنبيهات‏:‏

الأول‏:‏ قال اللخمي‏:‏ فإن كان البائع عالماً بهذه الشركة ولم يعلم ما عقداه كان له أن يأخذ الحاضر منهما بجميع الثمن، وإن لم يكن هو المتولي للشراء وإن كان عالماً بفسادها لم يكن له ذلك وأخذ هذا بنصف الثمن ولم يطالبه بما على صاحبه، وإن لم يكن عالماً بالشركة‏.‏ وإن كان الحاضر الموسر هو المتولي كان للبائع أن يأخذه بجميع الثمن لأنه دخل على أن المبايعة منه ولم يدخل معه على أنه وكيل لغيره في النصف الآخر، وإن كان الحاضر الموسر هو الذي لم يتول الشراء أخذه بنصف الثمن لا أكثر لأن البائع لما لم يعلم بالشركة لم يدخل على حمالة هذا وكان له أن يأخذه بنصف الثمن لأنه ملك نصف سلعته‏.‏

الثاني‏:‏ إذا قال رجل لآخر‏:‏ اجلس في هذا الحانوت تبيع فيه وأنا أشتري المتاع بوجهي والضمان علي وعليك فإنه لا يجوز، فإن وقع فالربح لهما على ما تعاملا عليه ويأخذ أحدهما من صاحبه أجرة ما يفضله به في العمل والضمان عليهما لأن الربح تابع للضمان، فإن اشترط الضمان على الجالس وحده فالربح له وعليه كراء الحانوت، وإن اشترط الضمان على ذي الحانوت فالربح له وعليه كراء الجالس قاله ابن رشد‏.‏ وهذا لأنه لا يجوز فيها الدخول على التفاوت ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وتفسد بشرط التفاوت وإن وقع فلكل أجر عمله للآخر وعلة فسادها به الخطر والقمار بوجود الربح فيغبن صاحب الكثير وبعدمه فيغبن صاحب القليل لذهاب عمله باطلاً كذا لابن شاس‏.‏ وعلله ابن رشد بأن صاحب الكثير إنما سمح بفضله رجاء البقاء معه على الشركة، وذلك لا يلزم صاحبه فكان غرراً اه‏.‏

قلت‏:‏ وفي كلتا العلتين شيء لأنهما دخلا على تجويز وجود الربح وعدم وجوده وعلى أن صاحبه يبقى معه أو لا يبقى فصاحب الفضل وغيره مجوز لذلك كله، وحينئذ فصاحب الفضل إن قصد الرفق بصاحبه كما هي عادة الناس جاز له ذلك كما مر في السلف، ولا سيما على ما عليه الناس من عدم تقويم الأعمال التي يعملها كل منهما‏.‏ وانظر ما يأتي في البيت بعده‏.‏

الثالث‏:‏ بقي على الناظم من أقسام الشركة شركة الوجوه وشركة الجبر فالأولى هي كما قال ‏(‏خ‏)‏‏:‏ أن يبيع وجيه من التجار يرغب الناس في الشراء منه لاعتقادهم أنه لا يتجر إلا في الجيد من السلع مال خامل بجزء من ربحه وهي باطلة لأنها إجارة بمجهول وتسميتها شركة مجاز، فإن وقعت فللوجيه جعل مثله، والمشتري منه مخير على مقتضى الغش إن كانت السلعة قائمة وإن فاتت ففيها الأقل من الثمن والقيمة قاله ‏(‏ز‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ ولولا ما في هذه الإجارة من الغش والتدليس لأمكن أن يقال بجوازها ابتداء على ما مرّ عن ابن سراج وغيره في باب الإجارة، وأما إذا قال شخص لآخر دل على من يشتري مني سلعة كذا ولك كذا فإنه جائز لازم، قاله في العتبية ما لم يكن على وجه التحيل بين الدال وبين بائعها فيأتي الدال بالمشتري ويوهم أنه حريص على شرائها ويظهر المكايسة وهو في الباطن على خلاف ذلك لتقدم الاتفاق منه مع بائعها على ذلك، فإذا انصرف المشتري بالسلعة رجع الدال إلى البائع وأخذ منه الجعل فإن ذلك لا يجوز بإجماع بلا شك لأنه مكر وخديعة، وهذا كثير وقوعه في هذا الزمان‏.‏ وأما الثانية وهي شركة الجبر فهي جائزة بشروطها المشار لها بقول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وأجبر عليها أن اشترى شيئاً بسوقه إلا لكسفر أو قنية وغيره حاضر لم يتكلم من تجاره الخ‏.‏ ولعل الناظم إنما تركهما لأن شركة الوجوه من قبيل الإجارة وشركة الجبر لا عقد فيها فتسميتها شركة إنما هو باعتبار المآل والله أعلم‏.‏

وَإن يَكُنْ في العَيْنِ ذَاكَ اعْتُمِدَا *** تَجُزْ إنِ الْجِنْسُ هُنَاكَ اتَّخَذَا

‏(‏وإن يكن في العين ذاك‏)‏ الاشتراك فهو اسم يكن، وفي العين متعلق بقوله ‏(‏اعتمدا‏)‏ والجملة خبرها وفي بمعنى الباء ‏(‏تجز‏)‏ بالجزم جواب الشرط وحذفت واوه لالتقاء الساكنين وفاعله ضمير الشركة ‏(‏إن الجنس‏)‏ من الذهب أو الفضة ‏(‏هناك اتحدا‏)‏ بأن كانت بفضة من الجانبين أو ذهب من الجانبين متفقين صرفاً ووزناً وجودة ورداءة كما لابن عرفة، وسواء اتحدت سكتهما أم لا كهاشمية ودمشقية ومحمدية ويزيدية مع اتفاقهما فيما ذكر، فإن اختلفا في واحد من الصرف وما معه لم يجز لدخولهما على التفاوت إلا أن يكون يسيراً على المشهور، وظاهر النظم هنا وفيما يأتي أنه لا يشترط السلامة من التفاوت في الشركة حيث سلما من ربا الفضل والنساء في الطعام والعين، وهو الموافق لما تقدم في المزارعة من أنه لا يشترط السلامة من التفاوت على المعمول به، ويؤيده ما مر قريباً من أنه إذا قصد الرفق بالسلف في العقد جاز فالهبة والتفاوت في العمل كذلك، وما ذاك إلا لكون الشركة بيع من البيوع كما تقدم في حد ابن عرفة‏:‏ وهو يجوز فيه الغبن، وهبة بعض الثمن أو بعض المثمن، ومفهوم الشرط في النظم أنه إذا كان الذهب من جانب والفضة من الآخر أو ذهب وفضة من كل جانب لم تجز، وهو كذلك في الأول لأنها شركة وصرف وهما لا يجتمعان كما مر صدر البيوع، وأجاز ذلك أشهب وسحنون وقال‏:‏ إنما يمنع الصرف معها إذا كان خارجاً عن ذاتها لا إن كان داخلاً في ذاتها كما هنا فيجوز ابن المواز وهو غلط‏.‏ وما علمت من أجازه لأنه صرف لا يبين به صاحبه لبقاء يد كل منهما فإن وقع وعملا فلكل رأس ماله ويقتسمان الربح لكل عشرة من الدنانير دينار، ولكل عشرة دراهم درهم والخسر كذلك قاله في المدونة، وأما الثاني وهو ذهب وفضة من كل جانب فلا خلاف في الجواز قاله ابن عبد السلام وغيره‏.‏ والمراد أن كلاً منهما أخرج من الذهب بقدر ذهب الآخر ومن الفضة كذلك، وإلاَّ لم يجز لوجود الصرف المذكور ‏(‏خ‏)‏‏:‏ كاشتركنا بذهبين أو ورقين اتفق صرفهما أو بهما منهما الخ‏.‏ ففي مفهوم الشرط تفصيل كما ترى‏.‏

وَبالطَّعَامِ جَازَ حَيْثُ اتَّفَقَا *** وهوَ لمالِكٍ بِذَاكَ مُتَّقَى

‏(‏وبالطعام‏)‏ متعلق بقوله ‏(‏جاز‏)‏ أي وجاز الاشتراك بالطعام من كل جانب ‏(‏حيث اتفقا‏)‏ أي الطعامان جنساً وصفة وكيلاً وهو قول ابن القاسم قياساً منه على جوازها بالدنانير من الجانبين بجامع حصول المناجزة حكماً لا حساً، فكما اغتفر هذا في الدنانير من الجانبين أو الدراهم كذلك يغتفر في الطعامين كذلك، ومنعها مالك بالطعام مطلقاً وإليه أشار بقوله‏:‏ ‏(‏وهو‏)‏ أي الاشتراك ‏(‏لمالك بذاك‏)‏ الطعام متفقاً جنساً وكيلاً أو مختلفاً ‏(‏متقى‏)‏ خبر عن الضمير، والمجروران يتعلقان به واللام بمعنى ‏(‏عند‏)‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أقم الصلاة لدلوك الشمس‏}‏ ‏(‏الإسراء‏:‏ 78‏)‏ وعلة المنع عنده أنه يدخلها بيع الطعام قبل قبضه لأن كل واحد منهما باع نصف طعامه بنصف طعام صاحبه ولم يجعل قبض لبقاء يد كل واحد على ما باع، فإذا باعا لأجنبي يكون كل واحد منهما بائعاً للطعام قبل قبضه لأنه حينئذ توالى عليه عقدتا بيع لم يتخللهما قبض قاله عبد الحق‏.‏ ابن يونس‏:‏ وهو الأصح، وعليه درج ‏(‏ح‏)‏ إذ قال‏:‏ لا بذهب من جانب وورق من الآخر وبطعامين ولو اتفقا، وظاهر النظم أن الأول هو المعتمد عنده لتصديره به ويرشحه جوازها حتى عند مالك بطعام من جانب وعرض أو عين من الآخر مع أن علة بيع الطعام قبل قبضه موجودة فيه قاله أبو الحسن‏.‏ ومفهوم قوله‏:‏ حيث اتفقا أنه إذا اختلف الطعامان جنساً أو صفة لم تجز اتفاقاً من مالك وابن القاسم وهو كذلك، وأجازها سحنون حيث اتفقا قيمة وكيلاً جرياً منه على مذهبه من جوازها بالدنانير من جانب والدراهم من الآخر‏.‏

تنبيهان‏:‏

الأول‏:‏ الشركة في الأجباح ممنوعة اتفاقاً لما فيها من العسل فيدخلها التفاضل قاله الغرناطي، وكذا قسمتها لا تجوز إن كان فيها عسل وإلاَّ فتجوز، وكان ابن عرفة يقول‏:‏ إن العسل الذي يكفي النحل لا عبرة به مطلقاً‏.‏

الثاني‏:‏ إذا فسدت الشركة بالطعامين فرأس مال كل منهما ما بيع به طعامه إذ هو في ضمانه حتى يباع، ولو خلطاه قبل البيع جعلت رأس المال قيمة طعام كل واحد يوم خلطاه وبقدر ذلك يكون الربح والوضيعة قاله في المدونة‏.‏

وَجَازَ بالعَرْضِ إذَا مَا قُوِّما *** مِنْ جِهَةٍ أَوْ جِهَتَيْنِ فاعْلَمَا

‏(‏وجاز‏)‏ الاشتراك ‏(‏بالعرض إذا ما‏)‏ زائدة ‏(‏قوما‏)‏ حال كونه ‏(‏من جهة‏)‏ فقط ويقابله من الأخرى عين أو طعام وبقدر قيمة العرض والطعام يكون العمل والربح والخسر ‏(‏أو‏)‏ بالعرض من ‏(‏جهتين فاعلما‏)‏ ورأس مال كل ما قوم به عرضه أو طعامه يوم أحضر الاشتراك به إن صحت شركتهما، وإلا فلا تعتبر يوم الإحضار بل يوم البيع إذ كل لا زال على ملك ربه وفي ضمانه إلى يوم البيع فإذا قوم في الصحيحة أو بيع في الفاسدة عرض هذا بعشرين وعرض هذا أو طعامه بعشرة، فالشركة بينهما على الثلث والثلثين وبقدر ذلك يكون العمل والربح والخسر، وسواء دخلا على قيمة العرض في الصحيحة أو سكتا عنها فالعبرة بقيمته يوم الإحضار، ولا تفسد الشركة بالسكوت عنها قاله في المعونة فإن لم يعرف ما بيع به في الفاسدة فتعتبر قيمته يوم البيع قاله ابن يونس‏.‏ وقال في المتيطية‏:‏ فإن تشاركا على التساوي وقبل التقويم فلما قوم سلعهما تفاضلت قيمتها فإن لم يعملا أخذ كل واحد سلعته وانفسخت الشركة وإن عملا بعد فوات سلعهما فرأس مال كل ما بيع به سلعه والربح والوضيعة بحسب ذلك، ويرجع القليل منهما على الآخر بفضل عمله ولا ضمان عليه في فضل سلع صاحبه لأنه لم يقع بينهما في ذلك الفضل بيع أي شركة اه‏.‏

كَذَا طَعَامُ جِهَةٍ لا يَمْتَنعْ *** وَعَيْنٌ أَوْ عَرْضٌ لدَى الأُخْرَى وُضِعْ

‏(‏كذا طعام جهة لا يمتنع وعين أو عرض لدى الأخرى‏)‏ يتعلق بقوله‏:‏ ‏(‏وضع‏)‏ أي لا يمتنع وضع طعام من جهة ووضع عين أو عرض من الأخرى ولم يقل وضعا بألف التثنية لأن العطف بأو وهو لا تجب فيه المطابقة‏.‏ وهذا البيت تكرار مع قوله‏:‏ وجاز بالعرض إذا ما قوما من جهة الخ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ عاطفاً على الجواز وبعين وعرض وبعرضين مطلقاً وكل بالقيمة يوم أحضر لا فات الخ‏.‏

وَالمَالُ خَلْطُهُ وَوَضْعُهُ بِيَدْ *** وَاحِدٍ أو في الاشْتِرَاكِ مُعْتَمَدْ

‏(‏والمال‏)‏ الذي أخرجه كل منهما ‏(‏خلطه‏)‏ مبتدأ ثان ‏(‏ووضعه‏)‏ عطف عليه، والواو بمعنى ‏(‏أو‏)‏ وخبره معتمد آخر البيت والمعنى‏:‏ أن خلط المالين حساً بحيث لا يتميز أحد المالين من الآخر، أو حكماً بأن يوضعا معاً ‏(‏بيد واحد‏)‏ منهما أو واحد غيرهما ‏(‏أو‏)‏ وضعا معاً أيضاً ‏(‏في‏)‏ محل ‏(‏الاشتراك‏)‏ بينهما بأن يجعلاهما في بيت واحد، وقفلا عليه بقفلين أخذ أحدهما مفتاح أحد القفلين وأخذ الآخر مفتاح الآخر، وأحرى إذا كان قفلاً واحداً وبيد كل منهما مفتاحه ‏(‏معتمد‏)‏ أي شرط في حصول الضمان منهما، فإذا خلطا حساً أو حكماً فالتالف منهما وإن لم يحصل خلط لا حساً ولا حكماً فالتالف من ربه وما اشترى بالسالم فبينهما على رب التالف نصف ثمنه، فالخلط المذكور شرط في الضمان منهما كما قررنا لا في الصحيحة لأنها صحيحة مع توفر شروطها ولو لم يخلطا ولا في اللزوم لأنها لازمة بالقول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ولزمت بما يدل عرفاً من قول كاشتركنا أو بما يقوم مقامه من فعل كخلط المالين والعمل بهما، ثم ذكر ما هو شرط في الضمان فقال‏:‏ إن خلطا ولو حكماً وإلا فالتالف من ربه وما ابتيع بغيره فبينهما الخ‏.‏ وتقدم قريباً أنها وإن كانت لازمة بالقول فكل منهما له بعد العمل الانحلال لا قبله فليس له ذلك إلا بتراضيهما وإلا لم تكن فائدة للزومها بالقول‏.‏

تنبيهات‏:‏

الأول‏:‏ علم من كون الشركة تنعقد بما يدل عرفاً أن العم أو الأخ إذا كان كل منهما مع أولاد أخيه أو مع إخوته على مائدة واحدة يخدمون ويأكلون فهم كالمتفاوضين فما اشتراه أحدهم من أصول أو غيرها باسم نفسه يدخل معه غيره، ويشاركه فيه على قدر عمله إن كان المال المشترى به نشأ عن أيديهم، أو على قدر نصيبه في المال إن كان المشترى به مالاً موروثاً ونحو ذلك‏.‏ وهذا إذا كانوا كلهم رشداء أو فيهم صغير يميز معنى الشركة ووقع منه ما يدل على الرضا بها، إلا أنه يخير بعد رشده في إمضاء الشركة أو أخذ حظه من المال الواقع به الشراء، وأما من لم يميز أصلاً فإنه لا حق له في المشتري وإنما له واجبه من الثمن المشترى به إلا أن يكون المشتري أدخله معه في شرائه، فإنه يخير بعد رشده في قبول ذلك أو أخذ واجبه من المال، وذلك لأن الشركة عقد لا يصح إلا من أهل التوكيل والتوكل، والذي لم يميز لم يقع منه عقد ولا ما يدل عليه قاله سيدي أحمد بن عبد الوهاب حسبما نقله العلمي‏.‏ ووجهه ظاهر خلاف ما في المعيار عن التازغدري آخر الوصايا منه من أن القول قوله في شراء الأملاك لنفسه بماله الخاص به، ونحوه في نوازل الدعاوى منه، ثم ما تقدم من أن الشركة تكون فيما نشأ عن أيديهم على قدر أعمالهم هو الصواب خلافاً لمن أطلق في ذلك، إذ ليس القوي كالضعيف ولا الصانع كغيره ولا خدمة المرأة كالذكر ولا من يرد أوقية كمن يرد ثمنها قاله سيدي أحمد الزواوي ونقله شارح العمل عند قوله‏:‏ وخدمة النساء في البوادي الخ‏.‏ وهذا في المال الحاصل بمجرد تكسبهم وعمل أبدانهم، وأما إن كان أصل المال الذي بين أيديهم مملوكاً لأحدهم فقط ولكنه نما بخدمتهم وقيامهم عليه، فإن النماء لمالك الأصل وعليه أجرة المثل لمن عداه اه‏.‏ وكذا الولد يقوم مع أبيه سنين بعد بلوغه إلى أن زوَّجه، وكان في هذه المدة يتولى الحرث والحصاد وخدمة الأملاك بنفسه، ثم افترق منه وأراد مقاسمته في الأملاك فليس له شيء فيها، وإنما له أجر عمله ويحاسبه أبوه بنفقته وكسوته وبما زوَّجه قاله الجلالي يعني‏:‏ وكذا يحاسب غير المتزوج من الأخوة المتزوج منهم بنفقة زوجته وصداقها كما قال ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وإلا حسبا كانفرادهما به أي بالإنفاق والزوجة‏.‏

الثاني‏:‏ إذا كان الابن يقوم بأمور أبيه ثم مات الأب فاستظهر الابن برسوم أملاك اشتراها باسم نفسه إن أثبت أنه كان له مال، وأن أباه كان سلم له فيها فهي له، وإن أثبت أنه كان له مال فقط فهي له إن حلف، وإن لم يثبت واحد منهما فالجميع ميراث قاله سيدي يحيى وسيدي راشد‏.‏

قلت‏:‏ وما ذاك إلا لكون الابن لما كان يقوم بأمور أبيه فهو كالوكيل عنه بالعادة فلذلك إذا لم يكن للابن مال كان الجميع ميراثاً‏.‏

الثالث‏:‏ سئل سيدي إبراهيم بن هلال عن أخوين متفاوضين وكان أحدهما مشارطاً على الإمامة ثم أراد قسمة مالهما فأراد المشارط أن يستبد بجميع ما استفاده من الشرط‏؟‏ فأجاب‏:‏ مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها في المفاوض يؤاجر نفسه في شيء أنه يختص به ولا يدخل معه شريكه، وقال أشهب وأصبغ وابن حبيب‏:‏ لا يستبد به بل يكون بينهما، ورأوا أن كل واحد منهما ملك منافع صاحبه بالتفاوض، ولم يرد ذلك ابن القاسم ولا محيد عن قوله ومذهبه، وسيأتي قول الناظم‏:‏ ومن له تحرف إن عمله الخ‏.‏ قال‏:‏ وإذا تقرر ذلك فهل لأخيه أجر عمله في غير ذلك مما عمله وفضله به من العمل أم لا‏؟‏ صرح ابن القاسم في الموازية أنه ليس له عليه ذلك‏.‏ وقال أصبغ‏:‏ إذا حلف أنه لم يتطوع بالعمل رجع عليه بقدر ما باشر وعمل مفاوضة حين شغل نفسه بما آجرها فيه‏.‏ قال بعض القرويين‏:‏ لأنه تطوع له بالعمل ظناً منه أنه يعمل في المال مثل ما عمل، فإذا شغل منافعه فيما انتفع به رجع عليه صاحبه بما عمله عنه‏.‏ قال هذا القروي المذكور‏:‏ وما قاله ابن القاسم إنما هو فيما إذا قصد أن لا يرجع بما عمل وإلاَّ وجب له الرجوع اه‏.‏ بلفظه‏.‏ وقال الجلالي‏:‏ إذا غاب أحد الأخوين للقراءة أو الحج فقدم وقد وجد أخاه قد زاد أملاكاً على ما ترك عنده، فإنه يشاركه في جميعها حيث غاب وليس لهما من المال إلا ما هما مشتركان فيه وليس لأحدهما مال يختص به اه‏.‏

قلت‏:‏ ولا يخفى أنه يرجع الحاضر عليه بأجرة عمله لما تقدم في الكلية المذكورة عند قوله في الإجارة‏:‏ والقول للعامل حيث يختلف الخ‏.‏ ولا يخرج عن ذلك إلا ما علم أنه للصلة حسبما تقدم آخر بيع الفضولي‏.‏

وَحَيْثُما يَشْتَرِكانِ في الْعَمَلْ *** فَشَرْطُهُ اتَّحَادُ شُغْلٍ وَمَحَلْ

‏(‏وحيثما يشتركان في العمل‏)‏ فقط ‏(‏فشرطه‏)‏ أي الاشتراك المذكور ‏(‏اتحاد شغل‏)‏ أو تلازمه، فالأول كخياطين أو حدادين أو نجارين أو صيادين، والثاني ككون أحدهما ينسج والآخر يدور أو يحول، أو أحدهما يغوص لطلب اللؤلؤ والآخر يمسك ويقذف عليه، فإن لم يتحد شغلهما ولا تلازم كخياط ونجار لم يجز لأنه قد تكسد صنعة أحدهما فيأخذ مال صاحبه بغير حق‏.‏ ‏(‏و‏)‏ شرطه أيضاً اتحاد ‏(‏محل‏)‏ أو تقاربه أيضاً، فلو كان أحدهما يخيط في محل والآخر يخيط في محل آخر، فإن تقاربت أسواقهما ومنافعهما أو كانت يد أحدهما تجول في المحلين لقربهما جازت شركتهما، وإلا امتنعت لأنه قد ينفق أحد المكانين دون الآخر فيأخذ غيره ماله بغير حق وظاهره أنه لا يشترط التساوي في العمل بل يجوز، ولو كانت قيمة عمل أحدهما الثلثين وقيمة عمل الآخر الثلث ودخلا على أن ما يحصل بينهما نصفان، وهو كذلك على قول من لا يشترط السلامة من التفاوت في الشركة كما مرَّ عند قوله‏:‏ وإن يكن في العين ذاك اعتمدا الخ‏.‏ وعليه تخرج شركة العدول إذ كثيراً ما يكتب أحدهما العقد ولا يعمل فيه غيره إلا الشهادة لعدم معرفته بكيفية تركيب فصول الوثيقة، وكذا شركة الطلبة في طلب الأسعار يذهب كل واحد منهما لأندر أو طلب المعروف من الدور، وانظر نوازل الشركة من نوازلنا فإن أبا زيد الفاسي قال‏:‏ كل ما جرى في المزارعة يجري في الشركة، وأما على المشهور من اشتراط عدم التفاوت فلا يجوز إلا إذا كان كل واحد يأخذ مما يحصل بقدر قيمة عمله، وعليه درج ‏(‏خ‏)‏ حيث قال‏:‏ وجازت بالعمل إن اتحدا أو تلازما وتساويا فيه أو تقاربا وحصل التعاون وإن بمكانين الخ‏.‏ وقال قبل ذلك‏:‏ وتفسد بشرط التفاوت وإن وقع فلكل أجر عمله للآخر الخ‏.‏ وقولي في العمل فقط إشارة إلى أنه يشترط اتحاد الشغل والمكان إذا اشتركا في صنعة أيديهما من غير احتياج لمال يخرجانه، أو كانا محتاجين لذلك‏.‏ والمقصود عندهما الصنعة لا ما يخرجانه من المال، وأما لو كانت صنعة أيديهما تبعاً والمقصود هو التجر كما لو أخرجا مالاً متساوياً ليعمل به هذا في صنعة كذا وهذا في صنعة كذا، فإن ذلك جائز من غير اشتراط اتحاد شغل ولا محل‏.‏

تنبيه‏:‏

زاد الغرناطي اتحاد صنعتيهما في الجودة فقال‏:‏ وشركة الأبدان تجوز بخمسة شروط، أن تكون الصنعة واحدة وحركتهما في السرعة والإبطاء واحدة وكذلك الجودة والدناءة واحدة أو متقاربة ويعملان في موضع واحد والآلة بينهما على السواء اه‏.‏ اللخمي‏:‏ وإن تباينت صنعتاهما بالجودة والدناءة وكان أكثر ما يصنعانه ويستعملان فيه الأدنى جازت الشركة لأن الأعلى يعمل الأدنى ولا حكم للقليل، وإن كان أكثر ما يدخل إليهما ما يعمله الأعلى أو كان كل واحد منهما كثيراً لم تجز للغرر والتفاضل اه‏.‏

قلت‏:‏ وهذه الشروط قلما تجدها متوفرة في هذا الزمان، وغالب عقود شركة الناس اليوم الفساد لأنهم لا يقومون عملاً ولا غيره، اللهم إلا أن يقال‏:‏ يغتفر لهم الدخول على التفاوت على نحو ما تقدم في المزارعة كما تقدمت الإشارة إليه‏.‏

وَحَاضِرٌ يَأْخُذُ فَائِداً عَرَض *** في غَيْبَةٍ فَوْقَ الثَّلاَثِ أَوْ مَرَضْ

‏(‏وحاضر يأخذ فائداً عرض‏)‏ وحصل له ذلك الفائد ‏(‏في غيبة‏)‏ صاحب غيبة ‏(‏فوق ثلاث أو مرض‏)‏ فوق ثلاث أيضاً كالعشرة أيام وما قاربها، ومفهوم فوق ثلاث أن الثلاثة وما قاربها تلغى ولا يحاسب الحاضر أو الصحيح الغائب أو المريض بها، فالقريب اليومان والثلاثة والبعيد العشرة وما بينهما من الوسائط يرد ما قارب القريب إلى القرب وما قارب البعيد إلى البعد قال أبو الحسن‏.‏ وظاهر النظم أن الحاضر والصحيح يأخذان أجرة ما انفردا بعمله في الغيبة والمرض البعيدين ولا يرجع عليهما الغائب والمريض بشيء، وهو كذلك على ما لابن يونس وابن سلمون وهو ظاهر ‏(‏خ‏)‏ حيث قال‏:‏ وأتى مرض كيومين أو غيبتهما لا إن كثر الخ‏.‏ ولكن الراجح أن للغائب والمريض أن يرجعا على الحاضر، والصحيح بحصتهما في الربح الزائد على أجر عمل مثله كما لو قبضا ثوباً مثلاً للخياطة بعشرة وغاب أحدهما أو مرض كثيراً فخاطه الآخر، فإذ قيل‏:‏ أجر مثل هذه الخياطة أربعة أخذها وتبقى ستة يرجع عليه المريض أو الغائب بحصته منها، وهو ثلاثة حيث كانت الشركة على النصف فإن لم يفضل شيء عن أجر مثله فلا يرجع عليه بشيء، وهذا إذا قبضا الثوب معاً ثم مرض أحدهما أو غاب كثيراً ومثله إذا قبله أحدهما مع وجود الآخر أو في مرضه أو غيبته القريبين أما ما قبله أحدهما بعد طول غيبة الآخر أو مرضه فهي له ولا يرجع عليه بشيء لأن الضمان منه وحده كما في ابن يونس‏:‏ فإن شرطا إلغاء الطول فسدت‏.‏ والحاصل أن شريكي الصنعة إذا غاب أحدهما أو مرض يومين أو ثلاثة وما قاربها على ما مر، فالفائد بينهما ولا شيء للحاضر أو الصحيح على الغائب والمريض، وسواء مرض بعد أخذهما العمل أو أخذه الصحيح بعد مرضه، وأما إن قبضه الحاضر الصحيح بعد طول مرضه أو غيبته فهو للعامل مطلقاً لأنه لا ضمان بينهما، وأما إن غاب أو مرض بعد أخذ المال أكثر من ثلاثة وما قاربها فالفائد بينهما ويرجع الحاضر الصحيح على شريكه بأجر مثله كما مرّ، وهل تلغى اليومان من العشرة أو لا‏؟‏ الراجح عدم الإلغاء، وهذا في الصحيحة، وأما في الفاسدة باشتراط إلغاء الطول فمن عمل شيئاً يختص به وإن كان الفساد بغير ما ذكر فالرجوع على من لم يعمل مطلقاً والفائد بينهما، وكذلك في شركة الأموال فالرجوع بالطويل وغيره صح من شرح ابن رحال‏.‏ وهذا كله في الشركاء في العمل من صبغ وخياطة ونحوهما، وأما الأجراء فليس حكمهم كذلك، فإذا استأجر أجيرين لحفر بئر مثلاً فمرض أحدهما وعمل الآخر جميع العمل فللآخر نصيبه وليس للعامل شيء عليه لأنه متطوع بالعمل عنه قاله في المدونة‏.‏ وهذا في غير المستأجرين مياومة وإلاَّ فلا يشارك غائب أو مريض غيره مطلقاً لأنه بمضي اليوم انقطعت إجارة المريض ونحوه‏.‏

وَمَنْ له تَحَرُّفٌ إنْ عَمِلَه *** في غَيْرِ وَقْتٍ تَجْرِهِ الفَائِدُ لَهْ

‏(‏ومن له‏)‏ من الشريكين مفاوضة ‏(‏تحرف‏)‏ أي صنعة ‏(‏إن عمله‏)‏ أي التحرف ‏(‏في غير وقت تجره‏)‏ كليل أو زمان لا يشتغلان فيه بالتجارة ف ‏(‏الفائد‏)‏ أي ما حصله من الأجرة ‏(‏له‏)‏ يستبد به ‏(‏خ‏)‏‏:‏ واستبد آخذ قراض أو متجر بوديعة بالربح والخسر الخ‏.‏ يعني إذا كان لا يشغله عن العمل في الشركة، ومفهوم في غير وقت تجر أنه إذا عمله في وقت تجر فإن صاحبه يرجع عليه بأجرة ما عمله عنه كما مرَّ في التنبيه الثالث، وانظر كلام اللخمي عند قول الشامل‏:‏ واختف آخذ قراض الخ‏.‏

فرع‏:‏ قال في الذخيرة‏:‏ إذا كانا شريكين في حيوان مثلاً بميراث أو غيره لا يجوز لأحدهما أن يتصرف إلا بإذن شريكه فلو باع نصيبه وسلم الجميع للمشتري بغير إذن شريكه كان ضامن على مقتضى القواعد، وبه أفتى شيوخنا من الشافعية لأن أحسن أحواله أن يكون كالمودع في الأمانة، وهذا إذا وضع يد الأجنبي يضمن لتعديه‏.‏ فإن قيل‏:‏ يلزم عدم صحة البيع لعدم قدرته على التسليم‏.‏ قلنا‏:‏ إن كان شريكه حاضراً سلم المبيع له وتقع الخصومة بينه وبين المشتري، أو غائباً رفع أمره إلى الحاكم يأذن له في البيع ووضع مال الغائب تحت يده اه‏.‏

قلت‏:‏ قوله‏:‏ وتقع الخصومة الخ‏.‏ يعني في ذلك الحيوان عند من يكون ومن يقوم به، وليس المراد أن الذي لم يبع ينكر نصيب البائع حتى يكون من بيع ما فيه خصومة وهو ممنوع على المشهور كما فهمه الشيخ سالم، وفي معاوضات المعيار‏:‏ من باع نصف فرسه لرجل وسافر المشتري عليها فعطبت فهو ضامن لنصف شريكه إلا أن يسافر عليها بإذنه أو جرت العادة بينهما أن يسافر مثل ذلك السفر فلا ضمان اه‏.‏

فصل في القراض

بكسر القاف مأخوذ من القرض وهو ما يجازى عليه الرجل من خير أو شر، لأن المتقارضين قصد كل واحد منهما إلى منفعة الآخر فهو مقارضة من الجانبين، وقيل‏:‏ من القرض وهو القطع لأن رب المال قطع من ماله قطعة دفعها للعامل بجزء من الربح الحاصل بسعيه، وأهل العراق يسمونه مضاربة من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآخرون يضربون في الأرض‏}‏ ‏(‏المزمل‏:‏ 20‏)‏ ابن عرفة‏:‏ وهو تمكين مال لمن يتجر به بجزء من ربحه لا بلفظ إجارة فيدخل بعض الفاسد كالقراض بالدين والوديعة ويخرج عنه قولها‏:‏ من أعطى رجلاً مالاً يعمل به على أن الربح للعامل ولا ضمان على العامل لا بأس به اه‏.‏ ومراده بالتمكن الإذن لا الإعطاء بالفعل وإلاَّ لم يشمل القراض بالدين، وأخرج بقوله‏:‏ بجزء من ربحه الأبضاع والإجارة، وكذا الشركة لأن الربح في الشركة نشأ عن المالين فلم يأخذ كل منهما إلا ربح ماله‏.‏ وقوله‏:‏ لا بلفظ إجارة أخرج به ما إذا قال‏:‏ آجرتك على التجر في هذا المال بجزء من ربحه فإنه لا ينعقد بذلك فإن عمل فيجري على الإجارة الفاسدة، ويفهم من قوله‏:‏ ولا ضمان على العامل الخ‏.‏ أنه إذا لم ينف الضمان عنه ولم يسمه قراضاً فإن الضمان يكون على العامل وهو كذلك ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وضمنه في الربح له إن لم ينفه ولم يسم قراضاً الخ‏.‏ وقريب من هذا التعريف قول الناظم‏:‏

إعْطَاءُ مالِ مَنْ بِهِ يُتَاجِرُ *** لِيَسْتَفِيدَ دَافِعٌ وَتَاجِرُ

‏(‏إعطاء مال‏)‏ من إضافة المصدر لمفعوله الثاني وكمل بالأول الذي هو قوله ‏(‏من به يتاجر‏)‏ واللام في ‏(‏ليستفيد‏)‏ لام كي التعليلية ‏(‏دافع‏)‏ فاعل ‏(‏وتاجر‏)‏ عطف عليه‏.‏

مِمَّا يُفَادُ فيه جُزْءاً يُعْلَمُ *** هُو القِرَاضُ وَبِفعْلٍ يَلْزَمُ

‏(‏مما‏)‏ متعلق بيستفيد وما واقعة على الربح ‏(‏يفاد‏)‏ بمعنى يحصل صلة ما أو صفة ‏(‏ فيه‏)‏ متعلق بيفاد ‏(‏جزءاً‏)‏ مفعوله يستفيد ‏(‏يعلم‏)‏ صفة له ‏(‏هو القراض‏)‏ مبتدأ وخبر والجملة خبر إعطاء، والتقدير‏:‏ إعطاء مال لمن يتجر به لأجل أن يستفيد ربه والعامل من ربح يحصل فيه جزءاً معلوماً كنصف لكل منهما أو ربع للعامل والباقي لربه، ونحو ذلك من الأجزاء هو المسمى بالقراض اصطلاحاً، ولك أن تقول‏:‏ هو إعطاء مال لمن يتجر به ليستفيد كل من ربحه جزءاً معلوماً وأقرب منه وأخصر لو قال‏:‏

توكيل في تجر بجزء علما *** من ربحه هو القراض فاعلما

وأشار بقوله‏:‏ ‏(‏وبفعل يلزم‏)‏ إلى أنه من العقود الجائزة التي تلزم بالشروع في العمل لا قبل الشروع فيه بسفر أو إنفاق للمال فلكل منهما فسخه ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ولكل فسخه قبل عمله وإن تزود لسفر إن لم يظعن وإلا فلنضوضه‏.‏ ولما كان قوله إعطاء مال شاملاً للعروض وللعين الغائبة والجزاف نبه على أن القراض لا يجوز بشيء من ذلك فقال‏:‏

وَالنَّقْدُ وَالحُضُورُ وَالتَّعْيِينُ *** مِنْ شَرْطِهِ وَيُمْنَعُ التَّضْمِينُ

‏(‏والنقد‏)‏ أي الذهب والفضة مسكوكين، ومثل المسكوك التبر الذي يتعامل به فإن كان لا يتعامل به ووقع ونزل ودفع التبر قراضاً مضى بالعمل ويرد مثله عند المفاصلة إن عرف وزنه وإلاَّ فيرد ما بيع أو ما خرج في ضربه ‏(‏والحضور‏)‏ أي كون النقد حاضراً عند العقد ‏(‏والتعيين‏)‏ لعدده أو وزنه إن تعامل به وزناً ‏(‏من شرطه‏)‏ أي القراض راجع للأمور الثلاثة، واحترز بالنقد من القراض بالعروض والطعام فإنه لا يجوز فإن وقع فله أجر بيعه وقراض مثله في ربحه، ومثل العروض الفلوس إلا أن يكون التعامل بها كالنقد ولا يتغير سعرها غالباً كما عندنا اليوم فيجوز وبالحضور من القراض بالدين فإنه لا يجوز سواء كان الدين على العامل فقال‏:‏ اعمل بالدين الذي لي في ذمتك قراضاً أو كان على غيره كقوله‏:‏ أقبض الدين الذي لي على فلان واعمل به قراضاً، فإن وقع ففي الوجه الأول يستمر ديناً عليه والربح له والخسارة عليه، وفي الوجه الثاني يكون له أجر مثله في قبضه وقراض مثله في ربحه، وبالتعيين من الجزاف كما لو دفع له صرة من الذهب أو الفضة قراضاً فإنه لا يجوز لأن الجهل بالمال يؤدي إلى الجهل بالربح، وهذا يغني عنه قوله فيما مر جزءاً يعلم الخ‏:‏ فإن وقع فانظر هل يصدق العامل في عدده أو وزنه ويكون له قراض مثله في ربحه كمن قال‏:‏ اعمل بهذا المال الذي عدده كذا ولك جزء من ربحه، وهو الظاهر لأن العامل أمين أو لا يصدق في عدده ولا وزنه لأنه يتهم على أن يجلب بذلك نفعاً لنفسه في كثرة الربح‏.‏ ‏(‏ويمنع التضمين‏)‏ أي‏:‏ لا يجوز أن يشترط في العقد على العامل ضمان رأس المال إذا تلف أو خسر، أو أنه غير مصدق إن ادعى ضياعه أو تلفه، فإن وقع فالشرط باطل‏.‏ وقوله مقبول في التلف والخسر‏.‏ ابن القاسم‏:‏ ويكون فيه على قراض المثل، ومثل الشرط ما إذا طاع العامل بالضمان قبل أن يشرع لأن العقد غير لازم فهو كاشتراطه في العقد، فإن طاع بعد الشروع في العمل ففي لزوم غرمه وعدمه قولان لابن عتاب وغيره، ونظمها في اللامية فقال‏:‏ وطوع بغرم في قراض نعم ولا‏.‏ ابن رحال‏:‏ ويظهر من إيضاح المسالك رجحان عدم اللزوم اه‏.‏

قلت‏:‏ بل هو المتعين لأنه هدية مديان كما يقتضيه قول ‏(‏خ‏)‏ في القراض وحرم هدية لم يتقدم مثلها كرب القراض وعامله ولو بعد شغل المال على الأرجح‏.‏

وَلاَ يَسُوغُ جَعْلُهُ إلى أَجَلْ *** وَفَسْخُهُ مُسْتَوْجبٌ إذَا نَزَلْ

‏(‏ولا يسوغ جعله‏)‏ أي القراض ‏(‏إلى أجل‏)‏ كقوله‏:‏ اعمل به سنة من الآن ولا تعمل به بعدها، أو إن جاء رأس الشهر أو السنة الفلانية فاعمل به فإن وقع فله قراض مثله، وأما إن قال له‏:‏ لا تعمل به إلا في الصيف أو الشتاء أو موسم العيد ونحو ذلك فهو وإن كان فاسداً أيضاً لكن الراجح أن فيه أجرة المثل‏.‏ والفرق أن أجرة المثل في الذمة وقراض المثل في الربح كما يأتي‏.‏ ‏(‏وفسخه‏)‏ أي ما ذكر من التضمين والأجل وعدم الحضور والنقد والتعيين ‏(‏مستوجب‏)‏ بفتح الجيم ‏(‏إذا‏)‏ وقع و‏(‏نزل‏)‏ شيء من ذلك كما مَّر‏.‏

تنبيهات‏:‏

الأول‏:‏ قال اللخمي‏:‏ ما أفسده الشرط تفسده العادة يعني لأنها كالشرط فلو أخذ القراض من عادته السفر وليس شأنه التجر في المقام فاشترى ما يجلس به للتجارة لكان متعدياً، وكذلك إذا أخذ المال بزاز صاحب دكان فاشترى غير صنعته وما لا يخزن لكان متعدياً‏.‏ انظر ما بقي من نحو هذه المسائل في شرحنا للشامل عند قوله أو قال لا تعامل إلا فلاناً الخ‏.‏

الثاني‏:‏ تقدم أنه إذا قال له‏:‏ إن جاء الشهر الفلاني فاعمل فهو فاسد ومثله إذا قال‏:‏ إن وصلت البلد الفلاني فاعمل به ‏(‏خ‏)‏‏:‏ أو لا يشتري إلى بلد كذا الخ‏.‏ وفي المتيطية‏:‏ إن شرط عليه التجر في بلد معين فإن كان حيث عين القراض وكان لا يعدم فيها التجر لعظم البلد فذلك جائز وإلاَّ فالمنع، فإن شرط عليه الخروج لبلد يتجر فيه فيجوز أيضاً فإن شرط عليه هل السلع من بلده إلى بلد آخر للبيع هناك أو يجلبها منه فيبيعها ببلده فلابن القاسم عن مالك المنع وقاله ابن حبيب‏.‏ وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية الجواز وقاله ابن الماجشون اه‏.‏

قلت‏:‏ وعلى رواية أصبغ عمل عامة الناس اليوم ولا يردهم عن ذلك راد فلا يشوش عليهم بمذهب مالك في المدونة، وقد استظهر ابن رحال رواية أصبغ المذكورة واحتج لها بما يطول ذكره‏.‏ الثالث‏:‏ قال في المدونة‏:‏ وإن نهيته عن شراء سلعة فالربح بينهما والخسارة عليه وحده لأنه فر بالمال من القراض حين تعدى ليكون له ربحه، وكذلك إن تسلف من المال ما ابتاع به سلعة لنفسه ضمن ما خسر وما ربح كان بينهما اه‏.‏ ويفهم من قوله‏:‏ لأنه فرَّ بالمال الخ‏.‏ أن من نهاه عن التجر في بلد معين فتجر فيه فالربح بينهما والخسارة عليه ويبقى النظر فيما إذا سمى له بلداً وسكت عن غيرها فذهب العامل إلى غيرها فهل مجرد التسمية نهي عن الغير وهو ما يقتضيه قول الجوهري في باب الوكالة لو قال للوكيل‏:‏ بع من زيد فلا يبع من غيره لأن القراض توكيل أو لا يكون ذلك نهياً عن الغير كما قالوا فيمن اكترى أرضاً ليزرع فيها صنفاً سماه فله أن يزرع فيها غيره مما هو مثله أو دونه لا أضر منه، وكما قالوا أيضاً فيمن اكترى دابة ليحمل عليها شيئاً سماه فله أن يحمل مثله ودونه وبه كنت أفتيت‏.‏

الرابع‏:‏ قال ابن عرفة في الوكالة‏:‏ إن تأخير سلعة القراض لما يرجى لها من السوق واجب فإن باع قبله ضمن لأن مخصصات الموكل معتبرة اه‏.‏ وهو معنى قول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ هناك تخصص وتقيد بالعرف الخ‏.‏

الخامس‏:‏ إذا اختلفا في تعجيل بيع السلعة وتأخيرها فإنه يعتبر معتاد وقت بيع تلك السلعة في ذلك البلد كما في المدونة ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وإن استنضه فالحاكم الخ‏.‏ وتقدم نحو هذا في الشريكين‏.‏